"الصراصير" في الهند تهز هيبة مودي وتجبره على التراجع... ما قصتها؟!

  • 28 July 2026
  • 56 mins ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    شفيق طاهر -

    لم تكن الهتافات التي دوّت في قلب نيودلهي مألوفة خلال أكثر من 12 عامًا من حكم رئيس الوزراء ناريندرا مودي. فعلى مقربة من البرلمان ومقار الحكومة، طالب عشرات الآلاف من الشبان باستقالته، ورددوا: "أبعدوا مودي وأنقذوا البلاد". وما بدأ احتجاجًا على تسريب أسئلة امتحان القبول الوطني لكليات الطب، تحول إلى تحدٍّ سياسي مباشر للحكومة وصورة رئيسها بوصفه الرجل الذي لا يتراجع تحت ضغط الشارع.

    لكن مودي اضطر هذه المرة إلى التراجع. ففي 25 تموز/ يوليو، استقال وزير التعليم "دارمندرا برادان" بعد أسابيع من الاحتجاجات، في انتصار واضح لحركة جانتا الصراصير، التي حولت غضب الطلاب إلى واحدة من أكبر الأزمات في ولاية مودي الثالثة.

    وكان تسريب أسئلة امتحان القبول الطبي "نيت" في أيار/ يوليو قد مسّ نحو مليوني طالب، وأدى إلى إلغاء الاختبار وإعادته. ولم تكن القضية مجرد خلل إداري، إذ ارتبطت بحالات انتحار بين الطلاب، وأعادت إلى الواجهة سلسلة من تسريبات اختبارات القبول الجامعي والتوظيف الحكومي.



    إهانة تتحول إلى هوية

    بدأت الحكاية على الإنترنت بعد تصريحات لرئيس المحكمة العليا الهندية، "سوريا كانت"، فُهم منها تشبيه شبان عاطلين عن العمل وناشطين بالصراصير. ورغم توضيحه لاحقًا أن كلامه كان موجّهًا إلى حاملي شهادات قانون مزورة، كانت العبارة قد تحولت إلى مادة للغضب والسخرية.

    التقط "أبهيجيت ديبكي"، وهو شاب هندي درس في الولايات المتحدة، العبارة وسأل ساخرًا: ماذا لو اتحدت كل الصراصير؟ ومن هنا ظهر حزب جانتا الصراصير، في محاكاة لاسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.

    لم يكن الحزب تنظيمًا تقليديًا، بل حركة رقمية اعتمدت على مقاطع الفيديو والصور الساخرة. وأصبح الصرصور المرسوم داخل هاتف محمول رمزًا لجيل قرر تحويل الإهانة إلى هوية سياسية. وحين عاد ديبكي إلى الهند في يونيو/ حزيران، نقل الحركة من الإنترنت إلى الشارع، قبل بدء اعتصام مفتوح وسط نيودلهي.



    غضب جيل كامل

    كان معظم المحتجين من الطلاب والخريجين والباحثين عن عمل. وينتمي كثيرون منهم إلى أسر من الطبقة الوسطى أنفقت مدخراتها على تعليم أبنائها، أملًا في أن تفتح الشهادة بابًا للترقي الاجتماعي. لكن تسريب الامتحانات وارتفاع كلفة التعليم وشدة المنافسة بددت الثقة في نظام يفترض أن يكافئ الاجتهاد.

    ففي عام 2025، حصل على مقعد في كليات الطب نحو 16% فقط من أصل 2.2 مليون متقدم. ويعاني كثير من الخريجين البطالة أو العمل غير المستقر، رغم معدلات النمو المرتفعة التي تتباهى بها حكومة مودي. كما تتزايد مخاوف الشباب من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص فرصهم.

    بلغ التصعيد ذروته في 20 يوليو/ تموز، حين حاول عشرات الآلاف التقدم نحو البرلمان. واستخدمت الشرطة الهراوات والغاز المسيل للدموع، وسقط مصابون واعتُقل عدد من المشاركين. كما قطعت خدمات الإنترنت عبر الهاتف في أجزاء من وسط العاصمة.

    لكن القمع وسّع التعاطف مع الحركة. ووصل محتجون من ولايات مختلفة، بينما استخدم مؤيدون تطبيقات توصيل الطعام لإرسال وجبات إلى المعتصمين. وانتقلت التظاهرات إلى مومباي وبنغالور ومدن أخرى.

    واستمرت تداعيات المواجهات حتى 27 يوليو/ تموز، حين أوقفت السلطات شرطيًا عن العمل بعد أن ظهر وهو يطلق النار في الهواء من بندقية كلاشنيكوف لتفريق طلاب محتجين في ولاية بيهار، وهذا ما عزز الانتقادات لأسلوب التعامل الأمني مع الشباب.



    انتصار لا ينهي الأزمة

    التحقت المعارضة سريعًا بالشارع، فعطلت جلسات البرلمان وطالبت بإقالة وزير التعليم والتحقيق في عنف الشرطة. كما شارك زعيم المعارضة "راهول غاندي" وشقيقته "بريانكا" في تحركات داعمة، قبل احتجازهما لفترة وجيزة.

    وفي 25 يوليو/ تموز، أعلن برادان استقالته. وبعد مفاوضات مع الحكومة، قالت حركة الصراصير إن مطالبها قُبلت، وتشمل إصلاح نظام الامتحانات، وإسقاط القضايا عن المتظاهرين، وتعويض أسر الطلاب الذين انتحروا على خلفية التسريب. ودعت أنصارها إلى إنهاء الاعتصام سلميًا.

    وفي اليوم التالي، أعلن مودي تشكيل لجنة لإصلاح الامتحانات برئاسة "ناندان نيلكاني"، المؤسس المشارك لشركة "إنفوسيس"، ووعد بنظام أكثر شفافية وتشريعات تشدد عقوبات المتورطين في التسريب.

    غير أن التنازلات لا تمحو آثار الأزمة. فاستقالة وزير مقرّب من مودي تحت ضغط حركة شبابية تمثل هزيمة سياسية نادرة لرئيس الوزراء، وتكشف أن سيطرة الحكومات على الإعلام التقليدي أو الفضاء الرقمي لم تعد كافية لمنع الغضب من الانتقال إلى الشارع.

    ولا تعني هذه الاحتجاجات أن حكم مودي على وشك السقوط، كما لا يزال على الحركة إثبات قدرتها على الاستمرار بعد انتصارها الأول. لكنها كشفت أن الحكومة يمكن إجبارها على التراجع. وحين تتحول الإهانة إلى هوية، والسخرية إلى تنظيم، وأزمة امتحانات إلى استقالة وزير وإصلاحات حكومية، فإن ما خسره مودي لا يقتصر على أحد أعضاء حكومته، بل يشمل جزءًا من هيبة السلطة وخوف خصومها من رفع أصواتهم.